وهبة الزحيلي

70

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

الرجال ، وتقوية الروابط بينهما بالمودة والمحبة والرحمة والرأفة لدلالة على الخالق الموجد والنعم المتفضل لمن تأمل وفكر في أسباب الحياة ، وتحقيق النتائج ، وبناء الروابط على وفق الحكمة والمصلحة ، والنظام البديع . فأبونا من تراب ، وذريته من ماء ، والماء من الدم ، والدم من الغذاء ، والغذاء من النبات وخواص الأرض وكنوزها ، ثم جعل الرابطة الزوجية بين الجنسين من تكوين واحد ، وطباع واحدة ، وغرائز متحدة ، ليتحقق السكن إلى المرأة ، ويتوافر الميل إليها ، ويحدث الهدوء النفسي معها ؛ فإن النفس ميالة إلى ما يلائمها ، وينسجم معها في الأغراض ، نافرة مما يناقضها ويعاكسها في الجملة . وقوله : لِتَسْكُنُوا إِلَيْها يفسره قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها ، لِيَسْكُنَ إِلَيْها [ الأعراف 7 / 189 ] . ثم ذكر اللّه تعالى أدلة أخرى على وجوده وربوبيته وتوحيده وقدرته من الكون العظيم وعظمة تكوين الإنسان ، فقال : وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ أي ومن آياته تعالى الدالة على قدرته العظيمة ووجوده : خلقه السماوات المرتفعة بدون عمد ، المزينة بالكواكب والنجوم الثوابت والسيارات ، وخلق الأرض بطبقاتها المترعة بالكنوز والمعادن والخيرات ، المثبّتة بالجبال ، المشتملة على الوديان والقفار ، والبحار ، والحيوان ، والأشجار . ولم يكن ذلك الكون فارغا من المخلوقات ، وإنما أوجد فيه الأنس بالناس ذوي الجنسيات المتعددة ، واللغات المختلفة ، والألوان المتنوعة ، والأصوات المتميزة ، والسمات والهيئات والتقاطيع المتفاوتة كاختلاف البصمات وغير ذلك من حسن وجمال ، وقبح وتفاوت بالرغم من كونهم من أصل واحد وأب واحد وأم واحدة . قال اللّه تعالى : بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ [ القيامة 75 / 4 ] .